بعد أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأحصى الفرقاء الأوربيون خسائرهم وضمدوا جراحهم، اهتدى العقلاء منهم إلى أن الطريق نحو عدم تكرار المأساة الإنسانية، وتجنب اصطدام جديد بين القوى الأوربية يمر عبر تطوير وتقوية العلاقات الاقتصادية بين الدول، وخلق مصالح مشتركة بينهم. فدخلت هذه الدول في مسار للاندماج والتكامل انتهى بتأسيس الاتحاد الأوربي وتوسيعه. أما في أمريكا الشمالية فقد تم بداية التسعينيات من القرن الماضي توقيع اتفاقية التبادل الحر لشمال أمريكا من طرف كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وتقوم على أساس تحرير التجارة والاستثمارات من خلال إلغاء مبرمج للحواجز الوطنية في وجه المبادلات بين الدول الثلاث، في انتصار لمنهج التعاون والتبادل من أجل التصدي للمشاكل الإقليمية العابرة للحدود من قبيل الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة. وفي كل مكان بالعالم –ورغم الصراعات وتضارب المصالح- تزايد الوعي بأن التكامل والاعتماد المتبادل صار واقعا يفرض نفسه بديلا للانعزال والصراع، حيث تشير الإحصائيات إلى أن ثلث التجارة العالمية تتم في إطار التجمعات الإقليمية، وأن نصف دول العالم هو حاليا عضو في أحد التكتلات. وتؤكد نفس الإحصائيات أن العالم يضم أكثر من 194 تكتلا اقتصاديا ثنائيا أو متعدد الأطراف، حتى أن بعض التكتلات التي كانت متواجدة منذ الستينيات دون تفعيل نشاطها أعيد إحياؤها في فترة التسعينيات، خاصة بعد انهيار نظام الثنائية القطبية وانخفاض حدة التوتر الدولي. أما عندنا فقد فشلت كل المحاولات لتخليص هذه المنطقة -الواعدة الغنية بتنوعها وتباين مكونات القدرة التنافسية لدولها- من تبعات الحرب الباردة، رغم توفرها نظريا على كل مقومات النجاح. فقد اتفق معظم المحللين على أن فشل محاولات بناء التكثل المغاربي يرجع بالأساس إلى خيار التقسيم التي يفضله النظام الجزائري عن خيار الاتحاد متشبثا بمقاربة ضيقة، ورؤية متجاوزة لأولويات السيادة، فصرنا أمام مشهد مشوه متناقض، ففي الوقت الذي يخطو المغرب بإيقاعه في طريق الحداثة والتنمية مستثمرا مقوماته الذاتية واستقراره السياسي، وفي الوقت الذي تحاول فيه تونس استرجاع توازنها السياسي والاقتصادي، وليبيا تراوح مكانها بين الانعتاق والاختناق... نجد النظام الجزائري، بمنطق الجغرافيا والتاريخ، خارج السياق. هذا ما تقوله تحركاته على الساحة السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وخطابات قادته التي تنهل من معجم ينتمي لعصر آخر، في محاولات بائسة لتغذية ''شرعيته'' المحتضرة بخلق عدو وهمي وصراع مفتعل، لن يغنيه عن مواجهة حتمية مع السؤال الحقيقي؛ سؤال التنمية والديمقراطية.